فنزويلا بين موسكو وبكين وأطماع ترامب
فنزويلا بين المصالح والحدود: لماذا لم تذهب موسكو وبكين أبعد؟
أثار الموقف الصيني والروسي من العدوان الأميركي على فنزويلا موجة من الانتقادات في الإعلام العربي، بعضها يستند إلى منطق مفهوم، وبعضها الآخر يحتاج إلى مراجعة أعمق لطبيعة العلاقات الدولية وحدودها الواقعية. فالتساؤل عن أسباب الاكتفاء بالتنديد السياسي، بدل الانتقال إلى خطوات أكثر فاعلية، يطرح إشكالية قديمة تتجدّد مع كل أزمة: أين تقف المصالح، وأين تبدأ الالتزامات؟
من الزاوية المنطقية الأولى، ينطلق عدد من المنتقدين من افتراض بسيط مفاده أن الدول الكبرى، حين تمتلك مصالح اقتصادية واستراتيجية عميقة في بلد ما، يُفترض أن تدافع عنها حتى لو تطلّب ذلك رفع الكلفة على الخصم. وبما أن الصين وروسيا ترتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية واسعة مع فنزويلا، فإن الاكتفاء بإدانة العدوان الأميركي والمطالبة باحترام سيادة الدولة والإفراج عن رئيسها المختطف بدا، في نظر هؤلاء، أقل من المتوقع ولا ينسجم مع حجم تلك المصالح. خصوصًا أنّ التوجّه الأميركي العدواني تجاه كاراكاس لم يكن مفاجئًا، بل جرى التلويح به علنًا منذ فترة، ما كان يتيح لبكين وموسكو التحرّك مسبقًا على المستويين الدبلوماسي أو السياسي لردع واشنطن، كما حدث في عام 2019 عندما استخدمت الدولتان حق النقض في مجلس الأمن لإسقاط مشروع أميركي استهدف تغيير النظام في فنزويلا.
أما الزاوية الثانية للنقد، فتنطلق غالبًا من تجربة عربية وإسلامية مثقلة بخيبات الأمل. فالكثير من النقاشات في منطقتنا تفترض أنّ مواجهة السياسات الأميركية التعسفية لا يمكن أن تتم من دون سند دولي قوي. هذا الافتراض ليس جديدًا؛ فقد راهنت دول عربية سابقًا على الاتحاد السوفياتي كقوة موازنة في مواجهة الولايات المتحدة، ولا سيما في الصراع مع إسرائيل، لكن هذه الرهانات انتهت في معظمها إلى خيبات قاسية. وتكرّر هذا الشعور لاحقًا في تجارب أخرى، حيث عبّرت أطراف إقليمية، من بينها إيران، عن استيائها من محدودية ردود الفعل الروسية والصينية تجاه اعتداءات أميركية وإسرائيلية طالت أراضيها ومنشآتها.
غير أنّ فهم هذا الواقع يتطلّب التوقف عند نقطة أساسية غالبًا ما يتم تجاهلها: لا توجد في النظام الدولي علاقة عضوية بين دولتين تُقارن بالعلاقة التي تجمع الولايات المتحدة بإسرائيل. فالدعم الأميركي للكيان الصهيوني ليس مجرد تقاطع مصالح ظرفي، بل هو احتضان شامل ومتعدّد المستويات، يستند إلى اعتبارات عقائدية وثقافية وسياسية، وإلى رؤية استراتيجية ترى في إسرائيل قاعدة متقدمة للنفوذ الأميركي والغربي في المنطقة. هذا الاحتضان يُترجم بقرار مركزي ثابت في واشنطن، يتجاوز تبدّل الإدارات، ويهدف إلى ضمان التفوّق العسكري والتقني الإسرائيلي، حتى لو استدعى الأمر انخراطًا أميركيًا مباشرًا في الصراع. لذلك، فإن أي حرب إسرائيلية هي، في جوهرها، حرب أميركية في الأهداف والوسائل والنتائج.
في المقابل، لا ترتبط روسيا أو الصين بعلاقة مماثلة مع أي دولة عربية أو إسلامية أو من دول العالم الثالث، بما في ذلك فنزويلا. فالمصالح المشتركة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني استعدادًا للاحتضان الكامل أو للدفاع العسكري المباشر. كما أنّ موسكو وبكين تتّبعان، تاريخيًا، سياسات أقل تدخّلًا عسكريًا مقارنة بالولايات المتحدة، ولا تبدوان مستعدتين لخوض مواجهة مباشرة مع واشنطن دفاعًا عن دولة ثالثة، إلا إذا شكّل ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنهما القومي. ويكفي التذكير بأن روسيا، رغم علاقاتها الوثيقة مع العراق، لم تتدخل عسكريًا لمنع الغزو الأميركي عام 2003.
إضافة إلى ذلك، تميل الدول الكبرى، بحكم امتلاكها قدرات نووية هائلة، إلى إدارة صراعاتها عبر حسابات معقّدة تنتهي غالبًا بتسويات أو مقايضات، بدل الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تكون كلفتها كارثية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة إعادة ترتيب لمناطق النفوذ، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز سيطرتها في أميركا اللاتينية، بينما تركّز روسيا على تثبيت مكاسبها في شرق أوروبا، وتستعد الصين لمعالجة ملف تايوان. هذه الأولويات الإقليمية تفتح المجال أمام تفاهمات ضمنية أو صريحة بين القوى الكبرى، حتى لو جاء ذلك على حساب حلفاء في مناطق بعيدة عن المجال الحيوي المباشر لكل دولة.
من هنا، يتبيّن أن ما يُسمّى بـ”المعسكر المناهض للهيمنة الأميركية” لا يشكّل كتلة متماسكة ذات التزامات متبادلة صارمة، بل هو إطار فضفاض تحكمه المصالح والظروف والكلفة السياسية والعسكرية. الأزمات المتلاحقة تكشف حدود الدعم الذي يمكن أن تقدّمه موسكو وبكين، خصوصًا عندما يتقاطع الملف مع مصالح أميركية مباشرة أو يقع ضمن مناطق نفوذ تقليدية لواشنطن. فالمواجهة العسكرية تبقى خطًا أحمر لا يُكسر إلا إذا تعرّضت المصالح الحيوية المباشرة للخطر.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية بناء علاقات سياسية واقتصادية متينة مع روسيا والصين، بل على العكس، يشكّل ذلك خيارًا ضروريًا لتنويع الشراكات وتقليص الارتهان لقطب واحد. غير أنّ تحويل هذه العلاقات إلى رهان على تدخل عسكري حتمي في كل أزمة هو قراءة غير واقعية. فالدول التي تسعى إلى استقلال قرارها السياسي والاقتصادي مدعوّة، قبل أي شيء آخر، إلى بناء عناصر قوتها الذاتية، وتنويع خياراتها، والتعامل بواقعية مع حسابات القوى الكبرى، التي تحكمها مصالحها أولًا وأخيرًا، لا الالتزامات الأخلاقية أو الشعارات المعلنة.

