جتماع أمني إسرائيلي لبحث الخيارات العسكرية والتصعيد على الجبهة اللبنانية
أبحاث ودراساتأخبار لبنانيةمقالات مختارة

لبنان في حسابات ما بعد الحرب: بين توسيع هامش القرار ومخاطر الانفلات

كيف ستتعامل إسرائيل مع جبهتها الشمالية وما هي حسابات ما بعد الحرب؟

تتعامل إسرائيل مع نتائج الحرب الأخيرة على الساحة اللبنانية بوصفها محطة لم تُغلق دورة الصراع، رغم الرهان المسبق على أن تشكّل خاتمته. فغياب الحسم العسكري، وما ترتّب عليه من توازنات جديدة، دفع المؤسسة الإسرائيلية إلى إعادة التموضع ضمن مسار أطول، يُعاد فيه تعريف طبيعة التهديد وحدود التعامل معه. الاستنتاج المركزي الذي تبلور بعد أشهر من وقف العمليات لا يقوم على فرضية القضاء على حزب الله، بل على الاعتقاد بأن هذا التهديد تغيّر في شكله ووظيفته، لا في جوهره.

غير أنّ هذا التقدير خضع لتعديل جوهري مع إدخال عنصر سياسي جديد تمثّل في إبلاغ رئيس الحكومة الإسرائيلية وزراءه بأن الإدارة الأميركية، بقيادة دونالد ترامب، منحت إسرائيل ضوءًا أخضر للتحرّك العسكري في لبنان. في الحسابات الإسرائيلية، لا يُنظر إلى هذا التطور باعتباره تغييرًا في النوايا فحسب، بل تحوّلًا في بنية القرار نفسها، بما ينعكس مباشرة على حدود الفعل الممكن وتوقيته.

العامل الأميركي: من كابح سياسي إلى مُمكِّن مشروط

لطالما شكّل العامل الأميركي عنصر ضبط نسبي في إدارة التصعيد على الجبهة اللبنانية، سواء عبر القيود السياسية أو الحسابات الإقليمية الأوسع. إلا أنّ الضوء الأخضر الجديد أعاد تعريف هذا الدور، ناقلًا واشنطن من موقع الكبح إلى موقع التمكين المشروط. هذا التحوّل لا يعني تفويضًا مطلقًا لحرب شاملة، لكنه يرفع القيود الاستراتيجية التي كانت تحكم سقف أي تصعيد واسع، ويقلّص الكلفة السياسية المتوقعة لاستخدام القوة.

في هذا السياق، يصبح القرار العسكري أقل ارتهانًا للحسابات الدولية، وأكثر ارتباطًا بتقدير داخلي إسرائيلي لتوازن المخاطر والفرص، في لحظة يُعتقد أنها مواتية سياسيًا.

حصيلة الحرب: إنجاز عملياتي وحدود استراتيجية

وفق التقدير الإسرائيلي، حققت الحرب نتائج عملياتية ملموسة، تمثّلت في إضعاف القدرات العسكرية والردعية لحزب الله وإلحاق أضرار ببعض منظوماته النوعية. إلا أنّ هذه النتائج لم ترقَ إلى مستوى التفكيك البنيوي أو تعطيل الوظيفة العسكرية للحزب. وتقدّر الدوائر الإسرائيلية أن الحزب خسر نحو 40% من قدراته، ما يضعه في حالة تراجع دفاعي قابل للترميم، لا في حالة انهيار شامل، وهو تقدير يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي ساد خلال العمليات.

هذا التناقض بين الخطاب والواقع الميداني فرض إعادة قراءة للمرحلة اللاحقة، خصوصًا في ضوء إدراك أن الزمن يعمل لمصلحة الطرف الذي ينجح في إعادة بناء قدراته.

الزمن كعامل ضغط لا كمساحة إدارة

قبل إدخال المتغير الأميركي الجديد، كان يُنظر إلى مرحلة ترميم حزب الله باعتبارها مسارًا يمكن احتواؤه عبر أدوات استنزاف محدودة وضبط إيقاعي للتصعيد. أما اليوم، فقد تحوّل الزمن نفسه إلى عامل ضغط. فاكتمال عملية التعافي، في التقدير الإسرائيلي، قد ينتج وضعًا ردعيًا أكثر تعقيدًا، ما يدفع نحو التفكير في تسريع استخدام القوة قبل بلوغ تلك المرحلة.

مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة اندفاعًا نحو حرب شاملة، بل قد يتجسّد في تصعيد مضبوط، أو في تكثيف الضغوط السياسية والعملياتية لتهيئة البيئة الداخلية اللبنانية أمام خطوات أكثر تقدّمًا.

الداخل اللبناني: من رهان سياسي إلى عامل ثانوي

لا تزال إسرائيل تنظر إلى الدولة اللبنانية بوصفها عاجزة بنيويًا عن اتخاذ قرارات تؤدي إلى تحجيم حزب الله أو تفكيك منظومته. غير أنّ وزن هذا العامل تراجع في الحسابات الإسرائيلية. فبينما كان الرهان سابقًا على ترجمة الإنجاز العسكري إلى مسار سياسي تقوده الولايات المتحدة للضغط على بيروت، بات هذا المسار يُنظر إليه كقناة ثانوية أو مكمّلة، لا كمرتكز أساسي.

يعكس هذا التحوّل انتقال التفكير الإسرائيلي من محاولة تثبيت النتائج سياسيًا، إلى الاستعداد لفرض وقائع إضافية بالقوة إذا اقتضت الضرورة.

الفصل النسبي بين الساحتين اللبنانية والإيرانية

يظلّ الدعم الإيراني لحزب الله عنصرًا ثابتًا في صورة المشهد، إلا أنّ التقدير الإسرائيلي المعدّل يميل إلى الفصل النسبي بين إدارة الصراع في لبنان وإدارة المواجهة مع إيران. فبدل اعتبار التداخل بين الساحتين عامل ردع متبادل، يُعاد تعريفه كمسألة ترتيب أولويات، تتيح العمل في الساحة اللبنانية ضمن سقف سياسي مدعوم أميركيًا، من دون استنزاف القدرة على التعامل مع التحدي الإيراني لاحقًا.

سلّم الخيارات: من الاستنزاف إلى العمليات الأوسع

في ضوء هذه المقاربة، يُعاد ترتيب سلّم الخيارات الإسرائيلية. فالاستنزاف المحدود عبر الضربات الموضعية لم يعد الخيار التلقائي، بل واحدًا من بدائل متعددة. في المقابل، تزداد قابلية اللجوء إلى عمليات أوسع، وإن بقيت دون عتبة الحرب الشاملة، بوصفها وسيلة لإنتاج صدمة سياسية داخل لبنان تُستخدم لتبرير ضغوط إضافية وربما خطوات تصعيدية لاحقة.

مخاطر الانزلاق وحدود السيطرة

رغم اتساع هامش القرار، لا تغيب عن التقدير الإسرائيلي مخاطر التصعيد. فكل استخدام موسّع للقوة يحمل احتمال كسر قواعد الاشتباك وفتح مسار تفاعلي يصعب ضبطه، خصوصًا في ظل طبيعة القرار غير المركزية لدى حزب الله وتشابك الساحات الإقليمية. غير أنّ الغطاء الأميركي يُقدَّر أنه يخفّف الكلفة السياسية لهذا الاحتمال، من دون أن يلغي مخاطره العسكرية.

الخلاصة: لبنان كساحة اختبار مفتوحة

في المحصلة، ترى إسرائيل أن الحرب فتحت نافذة زمنية نادرة، لكن المتغير الأميركي أعاد تعريف طبيعة هذه النافذة وحدود استثمارها. لم يعد النجاح يُقاس فقط بالقدرة على إدارة تراجع حزب الله ومنع تعافيه عبر الزمن، بل بمدى القدرة على استخدام القوة في اللحظة التي تتوافر فيها شروط التمكين السياسي، وتغدو فيها كلفة التأجيل أعلى من كلفة الفعل.

وفي حال عجزت إسرائيل عن ترجمة هذا التمكين إلى وقائع ميدانية ضاغطة، فإن الخطر يكمن في أن يتحوّل التراجع الحالي إلى محطة عابرة، تُفضي لاحقًا إلى عودة معادلة ردع أكثر صلابة وتعقيدًا. من هنا، تبقى الساحة اللبنانية اختبارًا مركزيًا لقدرة إسرائيل على المواءمة بين اتساع هامش القرار ومخاطر التصعيد البنيوية، في بيئة إقليمية لا تزال اتجاهاتها مفتوحة على احتمالات متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *