الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان: قراءة استخباراتية في معادلة الردع وحدود التصعيد
تتزايد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان الأمر الذي يؤخذ بشدة في القراءة الاستخباراتية لمعادلة الردع وحدود التصعيد في مرحلة حساسة من التصعيد العسكري المتدرّج تعيشها المنطقة، حيث تحوّلت الغارات الجوية إلى عنصر شبه ثابت في المشهد الأمني على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية. ولا يمكن فهم هذه التطورات باعتبارها مجرد أحداث عسكرية منفصلة، بل ضمن سياق أوسع يعكس إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمي وتوازنات القوة في الشرق الأوسط.
إن تحليل الغارات جنوب لبنان يكشف عن واقع معقّد تحكمه حسابات دقيقة لدى مختلف الأطراف، حيث يتقاطع الهدف العسكري المباشر مع رسائل سياسية واستراتيجية أعمق، في ظل بيئة إقليمية متوترة واحتمالات مفتوحة بين التهدئة والتصعيد.
أولًا: التصعيد المضبوط كاستراتيجية ميدانية
تشير المعطيات الحالية إلى أن الغارات المتكررة تندرج ضمن نمط يمكن وصفه بـ”التصعيد المضبوط”، وهو أسلوب يعتمد على استخدام القوة العسكرية بشكل محدود ومدروس بهدف تحقيق أهداف ردعية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
من منظور استراتيجي، تسعى إسرائيل عبر هذه الغارات إلى:
إعادة تثبيت خطوط الردع على الحدود الشمالية.
تقليص قدرات تعتبرها تهديدًا مباشرًا.
توجيه رسائل إقليمية ضمن سياق صراع أوسع يتجاوز الساحة اللبنانية.
في المقابل، تحاول قوى المقاومة الحفاظ على توازن الردع عبر ردود محسوبة تهدف إلى منع فرض قواعد اشتباك جديدة، مع تجنب التصعيد الذي قد يقود إلى مواجهة واسعة في ظل ظروف داخلية لبنانية صعبة.
ثانيًا: لبنان بين ضرورات الردع وهشاشة الداخل
تتزامن الغارات جنوب لبنان مع واقع داخلي شديد الهشاشة، حيث يعاني البلد من أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة. هذا الوضع يجعل أي تصعيد عسكري عامل ضغط إضافي على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
فالجنوب اللبناني لا يمثل فقط جبهة عسكرية، بل مساحة يعيش فيها آلاف المدنيين الذين تتأثر حياتهم اليومية مباشرة بالتصعيد الأمني. كما أن استمرار الغارات يعمّق حالة القلق في الأسواق ويؤثر على الاستثمار والسياحة، ما يربط الأمن بالاقتصاد بشكل مباشر.
ثالثًا: تحليل النوايا الاستراتيجية للأطراف
1. النوايا الإسرائيلية
تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية قائمة على منع تغيير ميزان القوى دون تحمل كلفة حرب شاملة. ولذلك تعتمد على ضربات دقيقة محدودة تحافظ على هامش المناورة وتمنع التصعيد الكبير.
2. نوايا قوى المقاومة
في المقابل، تسعى قوى المقاومة إلى الحفاظ على معادلة الردع التي تعتبرها عنصرًا أساسيًا لحماية لبنان من الاعتداءات، مع الحرص على عدم فتح مواجهة واسعة قد تكون مكلفة في ظل الظروف الراهنة.
رابعًا: حق لبنان في مقاومة الاحتلال ضمن السياق القانوني والسياسي
ينص القانون الدولي على حق الشعوب في الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال، وهو مبدأ يستند إلى قرارات أممية متعددة. وفي الحالة اللبنانية، يرتبط هذا الحق بملفات الأراضي المتنازع عليها والانتهاكات الحدودية المتكررة.
لكن التحدي الأساسي يبقى في كيفية تنظيم هذا الحق ضمن إطار الدولة اللبنانية، بما يحقق التوازن بين حماية السيادة الوطنية وتعزيز الاستقرار الداخلي.
خامسًا: سيناريوهات المرحلة المقبلة
السيناريو الأول: استمرار التصعيد المحدود
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر الغارات جنوب لبنان ضمن مستوى منخفض من المواجهة يهدف إلى الحفاظ على الردع المتبادل.
السيناريو الثاني: تصعيد غير مقصود
قد يؤدي خطأ في الحسابات أو حادث ميداني كبير إلى توسع سريع للمواجهة.
السيناريو الثالث: تهدئة مؤقتة
في حال حدوث تفاهمات إقليمية أو ضغوط دولية، قد نشهد انخفاضًا في وتيرة الغارات.
وتكشف الغارات جنوب لبنان عن معادلة أمنية معقدة تحكمها توازنات دقيقة بين الردع والتصعيد. وبينما يسعى كل طرف إلى فرض معادلة جديدة دون الوصول إلى الحرب، يبقى لبنان في قلب صراع إقليمي أوسع يجعل استقراره مرتبطًا بحسابات تتجاوز حدوده. وفي ظل استمرار هذه المعادلة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بتصعيد محسوب يحمل في طياته مخاطر الانفجار غير المقصود.

